في رحاب قسم اللغة العربية
يقتبس قسمُ اللغة العربية في كليةِ التربيةِ للعلومِ الإنسانيةِ في جامعة البصرة الذي تأسس في عام 1393هــ 1975م، وَهَجَهُ من إرثِ البصريين الاوائل، أولئك الذين شَيَّدوا صرحَ النحوِ، وأحكموا صَنْعَتَهُ، وأقاموا للبيانِ ميزان حقٍّ لا يُظلمَ فيه احدٌ، فجعلوا القولَ على قياسٍ مطّرد، والاستعمالَ على منهج قد اطَّرد.
ويمتدُّ هذا الاثر العلميُّ من الخليل بن أحمد الفراهيدي، إمامِ الصناعة ورائدها، إلى تلميذه عمرو بن عثمان بن قنبر، حيثُ استقامَ النحوُ عنده على أصوله، وانتظمَ العلمُ في فصوله.
ثم نهض في البصرةِ عَلَمٌ من أعلام البيان، ورائدُ النثر والبلاغة العربية، ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فوسّع مدارك الأدب، وأثار مسائل البلاغة، وكشف عن وجوه الإبانة، فجعل للمعنى سلطانًا، وللأسلوب شأنًا.
ثم لم يزل هذا النورُ متّصلًا، يتوارثه العلماءُ جيلاً بعد جيل، حتى انتهى إلى أعلامٍ ونحارير هذا الزمان وعصره اساتيذ قسم اللغة العربية في كلية التربية للعلوم الانسانية ،فهم في ذلك كالبُناةِ على ما شادَهُ الأوائلُ، يَسيرون على أُسسٍ راسخةٍ، ويَرفدون البناءَ تهذيبًا وتَشييدًا وتوسيعًا، لا هدمًا لما أُقيم، ولا تبديلًا لما استقرّ؛ يَعرضون القولَ على ميزانِ النحوِ عرضَ المحقق، ويَزنون المعنى بميزانِ البلاغةِ وزنَ الخبير، فلا يَميلُ لفظٌ عن موضعه، ولا يَضطربُ معنى في موقعه، حتى تستقيمَ العربية علمًا محكمًا، وفكرًا متينًا، ولسانًا حيًّا جارِيًا في الدرسِ والبحثِ والاستعمال. نعم لقد جدّدوا العهدَ، وأحكموا النظرَ؛ فالقسمُ على آثارهم يسير، وبمناهجهم يستنير، لا يرضى من الكلام إلا ما استقامَ بناؤه، وسَلِمَ من اللحن نظامه.
الرؤية
يَتَطلعُ قسمُ اللغةِ العربيةِ في كلية التربية للعلوم الانسانية الى أنْ يَكَونَ مَعلَمًا من مَعَالمِ البَيَانِ، وَمَورَدَ عَلْمٍ يُهتدى بهِ في تقويم اللسان، فكان لهُ شَرَفُ الانْتِسَابِ الى مَدْرَسَةِ الآبَاءِ والاجْدَادِ من البصريين ، أولئك الذين وضعوا أُسُسَ النحو، وشادوا بنيانَ العربيةِ على أصولٍ محكمةٍ لا يعتريها وهنٌ ولا اضْطِرَاب، فَصَار مُتَّصِلا بِحَبلِهُم، مقتفيًا آثَارَهُم، مُسْتَضِيئًا بِمَنهَجِهُم في التَّقْعِيدِ والاعرَابِ.
وَيَسعَى بِعُلَمَائِه الأعلَامِ إلى أنْ يَكُونَ مَنَارةَ عِلمٍ تُهتدى بها السُّبُل، ومَورَدَ مَعرفَةٍ يُستضاءُ بنوره، فيُحفظُ به لسانُ العربية، ويُصانُ به تراثُها، ويُجدَّدُ فيه عهدُها في الدرس والتحقيق.
فجعلوا غايتَه أن يكون معقِدًا للبيان، ومجمعًا لأهل اللسان، يُهذَّب فيه النحوُ حتى يستقيمَ ميزانُه، ويُصقَل فيه الأدبُ حتى يَرقَّ لفظُه ويَسْهُل انْشَادهُ وحِفْظهُ؛ فلا ترى فيه لفظًا شاردًا، ولا معنىً نافِرًا، بل قولٌ قد أُحْكِمَ سَبْكُه، ومعنىً قد أُتقن سلكُه.
الرسالة
ينهض قسم اللغة العربية في كلية التربية للعلوم الانسانية بتعليم العربية تعليمًا يَضْبط أصولها، ويُشْعبُ فصولها، ويَسيَرُ غَورَهُا اجمالا وتفصيلا، ويُعنى بالنحو تقعيدًا وتأصيلاً، وبالأدب تذوقًا وتحليلاً، ويُخرّج طلابًا قد ملكوا ناصية اللغة وفصول البيان، وأحاطوا بقواعدها و رسوم اللسان، قادرين على الإفصاح عما في الضمائر، والنظر في النصوص نظرة خبير ماهر، مستضيئين بمنهج القدماء في الإحكام، ومستفيدين من طرائق المحدثين في الإفهام.
وقد حملَ قسمُ اللغةِ العربيةِ أمانةً السماء، بصونه لغة العلم والعلماء، وحفظها من التبدّلِ والانحرافِ والتمييعِ والانصراف؛ فهو يسعى إلى ردِّها إلى أصولِها الأولى، وتثبيتِ قواعدِها المحكمة، وحراسةِ بيانِها من معاول اللحنِ ودواعي الدَنِيِّة، لتظلَّ لغةً حيّةً نقيّةً، قائمةً على جادّتها الَّسويِّةِ .
فنهضَ إلى حفظِها كما يُنهضُ إلى حفظِ النفيسِ الذي يُخشى عليه الفَقْدُ والزَّوَالُ، وإلى صيانتها من التبدّل الذي يُفسدُ جوهرَها، ومن التميّع الذي يُذيبُ حدَّها، ومن الضياع الذي يُطفئُ نورَها.
وهو في ذلك لا يكتفي بالوصف احيانا، بل يُقيمُ لها من العلمِ حدا وبنيانا ، ومن النحوِ قانونا وميزانًا، ومن الأدبِ مذهبا وديوانا، حتى تبقى على سمتِها القديم، جاريةً على ألسنةِ أهلِها من قريش وتميم ، نقيّةً من الشوارد والشوائبِ، مُبرَّاةٌ من الشواذ والغرائب.
الأهداف
يهدف قسم اللغة العربية الى :
أنْ يُؤخذ الطالبُ بأوّل العلم أخذًا رفيقًا، ثم يُرتقى به من السهل إلى المشكل، ومن الظاهر إلى المُضمَر، حتى إذا تمكّنَ له اللسانُ، وألِفَ البيان، صار للنحو عارفًا، وفي الأدب مُتصرفًا؛ يضع الكلم موضعَه، ويُنزِلُ المعنى منزله، لا يخلطُ بين بابٍ وباب، ولا يُسوي بين الصحيح والمرتاب.
ويُعنى القسمُ بالنحو عنايةَ من عَلِمَ أنّه عِمادُ الكلام، وقِوامُ البيان، فيُقرِّر أصولَه، ويُبيّن فصولَه، ويُميّز صوابَه من خطئه، حتى لا يلتبسَ مرفوعٌ بمنصوب، ولا يشتبهَ فاعلٌ بمفعول. ويُعنى بالأدب عنايةَ من رأى فيه زينةَ اللفظ، وروحَ المعنى، فيُدرَس شعرُه ونثرُه، ويُستخرج ما فيه من لطائف وحِكم، ويُوقف على طرائق العرب في القول، وأساليبهم في التعبير.
ولا يقفُ عند حدّ الرواية دون الدراية، ولا عند ظاهر اللفظ دون باطن المعنى، بل يجمع بين الأمرين جمعًا يُغني، ويُزاوج بين القديم والحديث مزاوجةً لا تُفسد أصلًا، ولا تُحدث خللًا؛ فيأخذ من الأوّلين إحكامَهم، ومن الآخرين اتساعَهم، حتى يخرج الطالبُ جامعًا بين صرامة التحقيق وبراعة التدقيق.
ثم إنّهم لم ينسَوا للمجتمع حقًّا، فجعلوا من شأن هذا القسم أن يُقوِّم لسانه، ويُهذِّب بيانه، ويردَّه إلى سنن العربية في خطابه وكتابته، فيكون العلمُ نافعًا، والقولُ شائعًا، والفائدةُ اعم.
فإن تمّ ذلك، فقد ظفروا بطالبِ علم واستاذٍ فقيها إذا تكلّم أفصح، وإذا كتب أوضح، وإذا نظر في النصوص استخرج دررها، واستبان سرَّها؛ فذاك هو الغرض، وعليه المعوّل، وبه يُرجى للعربية عزُّها، ولأهلها فخرُها.